فخر الدين الرازي

375

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

النصب ، فهو أن يكون التقدير : بشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق وهبنا لها يعقوب ، وأما وجه الرفع فهو أن يكون التقدير : ومن وراء إسحاق يعقوب مولود أو موجود . المسألة الثانية : في لفظ وراء قولان : الأول : وهو قول الأكثرين أن معناه بعد أي بعد إسحاق يعقوب وهذا هو الوجه الظاهر . والثاني : أن الوراء ولد الولد ، عن الشعبي أنه قيل له هذا ابنك ، فقال نعم من الوراء ، وكان ولد ولده ، وهذا الوجه عندي شديد التعسف ، واللفظ كأنه ينبو عنه . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 72 إلى 73 ] قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ( 72 ) قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ( 73 ) [ في قوله تعالى قالت يا ويلتا ] في الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الفراء أصل الويل وي وهو الخزي ، ويقال : ويل فلان أي خزي له فقوله ويلك أي خزي لك ، وقال سيبويه : ويح زجر لمن أشرف على الهلاك ، وويل لمن وقع فيه . قال الخليل : ولم أسمع على بنائه إلا ويح ، وو يس ، وو يك ، وويه ، وهذه الكلمات متقاربة في المعنى وأما قوله : يا وَيْلَتى فمنهم من قال هذه الألف ألف الندبة وقال صاحب « الكشاف » : الألف في ويلتا مبدلة من ياء الإضافة في يا وَيْلَتى وكذلك في يا لهفا ويا عجبا ثم أبدل من الياء والكسرة الألف والفتحة ، لأن الفتح والألف أخف من الياء والكسرة . أما قوله : أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو آلد بهمزة ومدة ، والباقون بهمزتين بلا مد . المسألة الثانية : لقائل أن يقول إنها تعجبت من قدرة اللَّه تعالى والتعجب من قدرة اللَّه تعالى يوجب الكفر ، بيان المقدمة الأولى من ثلاثة أوجه : أولها : قوله تعالى حكاية عنها في معرض التعجب أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وثانيها : قوله : إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ وثالثها : قول الملائكة لها أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وأما بيان أن التعجب من قدرة اللَّه تعالى يوجب الكفر ، فلأن هذا التعجب يدل على جهلها بقدرة اللَّه تعالى ، وذلك يوجب الكفر . والجواب : أنها إنما تعجبت بحسب العرف والعادة لا بحسب القدرة فإن الرجل المسلم لو أخبره / مخبر صادق بأن اللَّه تعالى يقلب هذا الجبل ذهبا إبريزا فلا شك أنه يتعجب نظرا إلى أحوال العادة لا لأجل أنه استنكر قدرة اللَّه تعالى على ذلك . المسألة الثالثة : قوله : وَهذا بَعْلِي شَيْخاً فاعلم أن شيخا منصوب على الحال ، قال الواحدي رحمه اللَّه : وهذا من لطائف النحو وغامضه فإن كلمة هذا للإشارة ، فكان قوله : وَهذا بَعْلِي شَيْخاً قائم مقام أن يقال أشير إلى بعلي حال كونه شيخا ، والمقصود تعريف هذه الحالة المخصوصة وهي الشيخوخة . المسألة الرابعة : قرأ بعضهم وهذا بعلي شيخ على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي هذا بعلي وهو شيخ ، أو بعلي بدل من المبتدأ وشيخ خبر أو يكونان معا خبرين ، ثم حكى تعالى أن الملائكة قالوا : أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ والمعنى : أنهم تعجبوا من تعجبها ، ثم قالوا : رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ والمقصود من هذا الكلام ذكر ما يزيل ذلك التعجب وتقديره : إن رحمة اللَّه عليكم متكاثرة وبركاته لديكم متوالية متعاقبة ، وهي النبوة والمعجزات القاهرة والتوفيق للخيرات العظيمة فإذا رأيت أن اللَّه خرق العادات في تخصيصكم بهذه